محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

52

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

ظهر له منها لا يسكن إليه ولا يعوّل عليه ؛ فإن ذلك من المعايب القادحة في عبوديته ، ولهذا قالوا : « كن طالبا للاستقامة ، ولا تكن طالبا للكرامة ؛ فإن نفسك تتحرك وتطلب الكرامة ومولاك يطالبك بالاستقامة ، ولأن تكون بحقّ مولاك أولى بك من أن تكون بحظّ نفسك » . ومن الحكايات في هذا المعنى الذي ذكرناه ما روى في الإسرائيليات عن « وهب بن منبّه » « 1 » رضي اللّه تعالى عنه : « أن رجلا من بني إسرائيل صام سبعين سنة يفطر في كل سنة ستة أيام ، فسأل اللّه تبارك وتعالى أن يريه كيف تقوى الشياطين على الناس ، فلما طال ذلك عليه ولم يجب . قال : لو اطّلعت على خطيئتي وذنبي بيني وبين ربّي لكان خيرا لي من هذا الأمر الذي طلبته فأرسل اللّه ملكا فقال له : إن اللّه تعالى أرسلني إليك وهو يقول لك إن كلامك هذا الذي تكلّمت به أحبّ إليّ مما مضى من عبادتك ، وقد فتح اللّه بصرك فانظر ، فإذا جنود إبليس قد أحاطت بالأرض ، وإذا ليس أحد من الناس إلّا والشياطين حوله كالذباب ، فقال : أي ربي من ينجو من هذا ؟ قال : الورع الليّن » . وسيأتي بيان أنّ الكرامات غير مطلوبة التحصيل ولا مغتبط بوجودها لدى كل عالم نبيل ؛ عند قوله : ( ليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه ) . الحق ليس بمحجوب ، وإنما المحجوب أنت عن النظر إليه ، إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر ، وكل حاصر لشيء فهو له قاهر وهو القاهر فوق عباده . الحجاب على الحق تعالى محال ، واستدل المؤلف على ذلك بما ذكره هنا ، وهو بيّن لا إشكال فيه ، والحجاب على العبد واجب من حيث ذاته ؛ إذ هو عدم كما تقدّم ، ولا نسبة بين العدم والوجود ، فإن أراد اللّه تعالى رفع هذا الحجاب عمّن شاء كيف شاء متى شاء رأى من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وهذا مما يجب اعتقاد . اخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصف مناقض لعبوديتك لتكون لنداء الحق مجيبا ، ومن حضرته قريبا .

--> ( 1 ) وهب بن منبّه الأنباري الصنعاني الذماري ( 34 - 144 ه - 654 - 732 م ) أبو عبد اللّه مؤرخ ، كثير الإخبار عن الكتب القديمة ، عالم بأساطير الأولين ولا سيما الإسرائيليات يعد في التابعين . أصله من أبناء الفرس الذي بعث بهم كسرى إلى اليمن . ولد ومات في صنعاء وولاه عمر بن عبد العزيز قضاءها ، وحبس في كبره وامتحن . من كتبه « ذكر الملوك المتوجة من حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم » وله « قصص الأنبياء » وغير ذلك . ( الأعلام 8 / 125 - 126 ، وشذرات الذهب 1 / 150 ، وكشف الظنون 2 / 1328 ، وتهذيب الكمال 19 / 487 ، ووفيات الأعيان 6 / 35 - 36 ) .